جديدنا

معنى آية: فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا، بالشرح التفصيلي

معنى آية: فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا، بالشرح التفصيلي

لقد حكم الله على الدَّار الدُّنيا بالفناء، وتحدَّث القرآن عن العديد من مشاهد يوم القيامة وحال النَّاس فيها، وبعث -سبحانه- أنبياءه ورسله إلى النَّاس مُبشِّرين ومنذرين فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ومن بين الطَّواغيت الذين علوا في الأرض واستكبروا فيها هو فرعون، الذي بعث الله له موسى -عليه السلام- حتى يؤمن وقومه ولكنَّه أبى وأصرَّ على كفره وعناده، فكان جزاؤه من الله -سبحانه- أن أغرقه وأعوانه في البحر ونجَّى بني إسرائيل من كيده، فقال -سبحانه- في سورة الإسراء: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}،

وقد نزلت الآية في بني إسرائيل إذ يُخاطبهم الله -تعالى- في قوله أن اسكنوا أرض مصر والشَّام فإذا ما جاء يوم القيامة بعثناكم من قبوركم من كلِّ مكانٍ وقد اختلط الكافر بالمؤمن فلا يعرفون بعضهم، وقد أفاد الكلبي في معنى قوله تعالى: {وَعْدُ الْآخِرَةِ}، أي وعد الله -تعالى- في نزول نبيه عيسى بن مريم -عليه السلام- من السماء، وقال ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: {لَفِيفًا}، أي من جميع الجهات، وقال الجوهري في معنى لفيفًا أي اجتماع النَّاس من قبائل متعددة، ومعنى أن يأتي الله بهم لفيفًا أي متباينين مختلطين، ويُقال عن الشيء لفيفًا إذا كان ممزوجًا من شيئين فأكثر، وتُطلق كلمة لفيف على الجمع ولا تُستعمل للمفرد كما أفاد الأصمعي، وبذلك يكون خروجهم من القبور وكأنهم الجراد المنتشر جمعًا لا يتعرَّفون إلى بعضهم.

وتحمل الآية بشارةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكما استُضعف والمسلمون في مكة المكرمة وأُخرجوا منها مُكرهين -والسورة من السور المكية التي أنزلت على النبي قبل فتح مكة- شأنهم في ذلك شأن موسى وبني إسرائيل، ثم أورث الله أرض فرعون -مصر- لبني إسرائيل بعد أن أذلهم الكافرون، تكرر المشهد عند فتح مكة إذ دخلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عزيزًا فاتحًا كما دخل بنو إسرائيل على مصر، وقال الضَّحاك في معنى {لَفِيفًا}، أي جميعًا، وقيل في معنى {وَعْدُ الْآخِرَةِ}، أي الوعد الذي تنتهي به الحياة الدُّنيا وهو يوم القيامة، وقوله -سبحانه- {لَفِيفًا}، أي ممزوجين على اختلافكم فيجمع الله بين عباده سواء كان بيضًا أو سودًا مؤمنين أو كافرين ظالمين ومظلومين، فميعاد الله لا يخلفه أحد من المخلوقين وسيُحاسبهم -تعالى- على ما قدَّمت أيديهم بميزانه الحق.

وقال ابن رزين في معنى قوله تعالى: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}، أي بعثناكم من كل قوم، وحشرهم الله يوم القيامة لا يعرف بعضهم بعضًا مخلوطين، ويُقال عن الجيوش لففت إذا التقت فتقاتلت واختلطوا مع بعضهم، وقال آخرون في معنى لفيفًا أي جميعًا وهو ما ذهب إليه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ومجاهد، وقال قتادة في معنى لفيفًا أي جميعًا أولهم وآخرهم.

الثمرات المستفادة من آية: فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا

إنَّ آيات الله مليئةٌ بالعبر لمن أراد أن يتبحَّر في ملكوت الله، فيصطفي منها ما يجعل من حياته روضةً من رياض الجنة، فالقرآن هو خاتم الكتب وهو للناس أجمعين، ومذ نزوله حتى هذا اليوم والعلماء يحاولون الاجتهاد في استخراج الثمرات من آيه -سبحانه- وبعد الوقوف مع قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}، من ناحية التفسير والشرح والإعراب، لا بدَّ من النَّظر إليها في عين الباحث المتعطش إلى العبر والثمار، وفيما يأتي سيكون ذلك:

إنَّ بني إسرائيل -الوقت السَّابق- هم يهود الوقت الحاليِّ الذين تحدَّث عنهم القرآن الكريم وعن فسادهم في الأرض، وأشار -سبحانه- في غير موضعٍ من آياته عن تجمع اليهود في بقعةٍ واحدةٍ من الأرض وعلوِّ قوتهم حتى يكون رئيسهم الأكبر في آخر الزمان هو المسيح الدَّجال الذي يكون قادة جيشه من اليهود، وبعدها تكون الملحمة الكبرى التي ينتصر فيها المسلمون على أعداء الدين بإذنه تعالى.
لقد ورد ذكر بني إسرائيل في القرآن الكريم كثيرًا، فتارةً يذمهم الرحمن وتارة يمدحهم فهو يمدح المؤمنين منهم ويذمُّ العصاة الفاسقين، فلا يكون حكم القرآن عموميًا على أي كان، بل هو يحاسب كل امرئ على ما قدمت يداه في الحياة الدنيا.

معاني المفردات في آية: فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا

هل لمفردات هذه الآية معاني؟ إنَّ التفكير الصَّحيح والفهم الحقيقي لمعاني القرآن الكريم لا يتمُّ إلا من خلال التَّمكن من اللغة العربية والاستناد إلى معاجمها في فهم مفردات آيه الكريم، وازدادت أهمية اللغة العربية حين ابتعد النَّاس عنها وفقدوا الملكة اللسليمة التي امتلكها العرب الأقدمون، فكان لا بدَّ من تعلُّم اللغة العربية التي من خلالها يستطيع المسلم تعلم القرآن، وبعد أن تمَّ تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}، بالاستناد إلى أقواله أهل التأويل والتفسير، لا بدَّ من الوقوف مع الآية الكريمة من خلال شرح مفرداتها بالاستناد إلى معاجم اللغة، وفيما يأتي سيكون ذلك:

وعد: الوعد هو التخويف والتحذير والتهديد، والوعد يكون للخير أو للسوء وهو عهد يقطعه المرء ويُلزم نفسه تلبيته والإيتاء به، وقد يُقال هذا الرَّجل وعد فلانٌ بكذا أي منَّاه به.
الآخرة: وهي الميقات وموعد الله مع خلقه، وهو يوم القيامة ويوم البعث والنشور، ويُقال أجر الآخرة أي ثوابها ومكافأتها، ويُال فلانٌ فُتح له باب الآخرة أي تُوفي.
جئنا: أي أتينا، ويُقال فلانٌ جاء إلى في اللحظة المُناسبة أي أتى أو وصل، ويُقال عن المطر إذا نزل جاء، ومجيء أي شخصٍ هو حضوره وتواجده، ويُقال عن الأمر إذا حصل وتحقق جاء.
لفيفًا: اللفيف هو تجمُّع النَّاس المُختلفين في مكانٍ واحدٍ، فيكون فيهم الأبيض والأسود والحاكم والمحكوم والضعيف والقوي والشريف والدنيء، ويُقال عن الطَّعام لفيفًا إذا كان مخلوطًا من شيئين فأكثر، ويُقال عن الصَّديق لفيف إذا كان حميمًا جدًّا.

سورة الإسراء

واحدةٌ من السُّور المكيَّة -التي نزلت في مكة المكرمة- عدا بضع آياتٍ منها فإنَّها مدنيَّة، بلغ عدد آياتها مئةٌ وأحد عشر آية، وابتدأت السورة بالتَّسبيح والحديث عن رحلة إسراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، ونزلت سورة الإسراء بعد سورة القصص وكان يدور موضوعها الرئيس حول الرِّسالة الربانية والعقيدة والتَّوحيد، ويُطلق على سورة الإسراء اسمٌ آخر هو سورة بني إسرائيل؛ بسبب الحديث عنهم في تلك السورة، وقد كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- لا ينام حتَّى يقرأها مع سورة الزمر، ومن بين الآيات التي وردت في سورة الإسراء قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}، وسيقف هذا المقال للحديث عنها وتفسيرها بالاستناد إلى أقوال أهل العلم والتفسير، وشرح مفرداتها بشكل تفصيلي، وفيما يأتي سيكون ذلك.

إعراب آية: فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا

هل لمفردات هذه الآية إعراب في اللغة العربية؟ إنَّ علم النَّحو هو أحد أهمِّ العلوم التي لا بدَّ لطالب العلم الشَّرعيِّ من معرفتها والتَّمكن منها؛ إذ لا يُمكن فهم كتاب الله -سبحانه- ولا الأحاديث النبويَّة إلا عن طريق إتقان النَّحو إذ هو الرُّكن الأساسيُّ الذي تستند عليه العلوم الشَّرعيَّة، وقد جعل بعض الأئمة تعلم النّحو شرطًا للتبحر في العلوم الأخرى، إذ إنَّ كتاب الله معجزٌ في اللفظة وموضعها ومعناها ولا يُمكن إدراك ذلك إلا من خلال الوقوف على إعراب كتابه، وبعد أن تمَّ الوقوف مع قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}، من ناحية التفسير وشرح المفردات لا بدَّ من التطرق إلى إعرابها، وفيما يأتي سيكون ذلك:
فإذا: الفاء حرف عطف، إذا ظرف لما يُستقبل من الزمان في محل نصب متعلقة بالفعل جئنا.
جاء: فعل ماض مبني على الفتحة الظاهرة على آخره.
وعد: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
جملة {جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا}: في محل جر بالإضافة.
الآخرة: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
جئنا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الدَّالة على الفاعلين، والنا ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
بكم: الباء حرف جر، كم ضمير متصل في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بالفعل جئنا.
جملة {جئنا بكم لفيفًا}: جملة جواب الشرط غير الجازم لا محل لها من الإعراب.
لفيفًا: حال منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *